مجمع البحوث الاسلامية
609
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تبّع على هذا الحيّ من اليهود الّذين كانوا بين أظهرهم ، وإنّما أراد هلاكهم فمنعوهم منه ، حتّى انصرف عنهم ، ولذلك قال في شعره : حنقا على سبطين حلّا يثربا * أولى لهم بعقاب يوم مفسد وكان تبّع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فتوجّه إلى مكّة ، وهو طريقه إلى اليمن ، حتّى إذا كان بين عسفان ، وأمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ ، فقالوا له : أيّها الملك ، ألا ندلّك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللّؤلؤ والزّبرجد والياقوت والذّهب والفضّة ؟ قال : بلى ؛ قالوا : بيت بمكّة يعبده أهله ، ويصلّون عنده . وإنّما أراد الهذليّون هلاكه بذلك ، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده . فلمّا أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين ، فسألهما عن ذلك ، فقالا له : ما أراد القوم إلّا هلاكك وهلاك جندك ، ما نعلم بيتا للّه اتّخذه في الأرض لنفسه غيره ، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكنّ وليهلكنّ من معك جميعا ، قال : فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله : تطوف به ، وتعظّمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذلّ له ، حتّى تخرج من عنده ، قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا : أما واللّه إنّه لبيت أبينا إبراهيم ، وإنّه لكما أخبرناك ، ولكنّ أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان الّتي نصبوها حوله ، وبالدّماء الّتي يهريقون عنده ، وهم نجس أهل شرك - أو كما قالا له - فعرف نصحهما وصدق حديثهما . فقرّب النّفر من هذيل ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثمّ مضى حتّى قدم مكّة ، فطاف بالبيت ، ونحر عنده ، وحلق رأسه ، وأقام بمكّة ستّة أيّام - فيما يذكرون - ينحر بها للنّاس ، ويطعم أهلها ويسقيهم العسل ، وأري في المنام أن يكسو البيت ، فكساه الخصف ؛ ثمّ أري أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه المعافر ؛ ثمّ أري أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملاء والوصائل ، فكان تبّع - فيما يزعمون - أوّل من كسا البيت ، وأوصى به ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره ، وألّا يقرّبوه دما ولا ميتة ولا مئلاة ، وهي المحائض ، وجعل له بابا ومفتاحا . [ ثمّ استشهد بأشعار ] وحدّثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظيّ ، قال : سمعت إبراهيم بن محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه يحدّث : أنّ تبّعا لمّا دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك ، وقالوا : لا تدخلها علينا ، وقد فارقت ديننا . فدعاهم إلى دينه ، وقال : إنّه خير من دينكم ، فقالوا : فحاكمنا إلى النّار ، قال : نعم . قال : وكانت باليمن - فيما يزعم أهل اليمن - نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظّالم ولا تضرّ المظلوم ، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلّديها ، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها الّذي تخرج منه . فخرجت النّار إليهم . فلمّا أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها ، فذمرهم من حضرهم من النّاس ، وأمروهم بالصّبر لها ، فصبروا حتّى غشيتهم ، فأكلت الأوثان وما قرّبوا معها ، ومن حمل